DSC 0270 scaled

نوقشت رسالة الماجستير في كلية القانون بجامعة القادسية الموسومة بــ (معيار الملاءمة القضائية في تنازع الاختصاص القضائي الدولي – دروس مستفادة من السوابق التحكيمية) للباحثة / شمس قاسم هاشم  

هدفت الرسالة الى توضيح معيار الملاءمة القضائية في تنازع الاختصاص القضائي الدولي إذ شهد القانون الدولي الخاص خلال العقود الأخيرة تحولاً عميقاً في نظرته إلى مسألة الاختصاص القضائي الدولي، إذ لم يعد الاهتمام منصباً على تحديد المحكمة المختصة على وفق الضوابط القانونية التقليدية وحدها، بل امتد إلى البحث عن الجهة الأكثر قدرة على تحقيق العدالة العملية في المنازعات ذات العنصر الأجنبي، وقد جاء هذا التحول نتيجة التطور الكبير الذي شهدته العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية، وما رافقه من تعقيد متزايد في المنازعات العابرة للحدود، الأمر الذي كشف محدودية بعض قواعد الاختصاص التقليدية في الاستجابة لمتطلبات العدالة الدولية الحديثة.

وفي هذا السياق ظهرت فكرة المحكمة الملاءمة بوصفها أحد أهم المفاهيم المعاصرة في القانون الدولي الخاص، إذ تقوم هذه الفكرة على التمييز بين المحكمة المختصة والمحكمة الأكثر ملاءمة، فليس كل قضاء يملك الاختصاص القانوني يكون بالضرورة الأقدر على تحقيق العدالة، كما أن وجود رابطة قانونية أو إقليمية تربط النزاع بدولة معينة لا يعني دائماً أن محاكم تلك الدولة تمثل الجهة الأنسب للفصل فيه، ولذلك اتجه الفقه والقضاء المقارن إلى تطوير مفهوم جديد للاختصاص يقوم على البحث عن الجهة الأكثر كفاءة وفعالية وحياداً في إدارة النزاع وتحقيق التوازن بين مصالح الأطراف.

وقد كشفت الممارسة التحكيمية الدولية عن تراكم عدد كبير من السوابق الصادرة عن المؤسسات التحكيمية الكبرى، والتي لم تقتصر على معالجة المنازعات المعروضة عليها، بل أسهمت في إظهار مجموعة من المعايير المرتبطة بالحياد والاستقلال والتخصص والمرونة الإجرائية والفعالية العملية وقابلية التنفيذ الدولي، وهي معايير تمثل في جوهرها الأساس الذي تقوم عليه فكرة المحكمة الملاءمة. ومن هنا تظهر الإشكالية الرئيسة للدراسة في بيان مدى إسهام السوابق التحكيمية الدولية في ترسيخ هيئات التحكيم ومراكزه الدولية بوصفها الجهة الأكثر ملاءمة لحسم عدد متزايد من المنازعات العابرة للحدود، وفي الكشف عما إذا كانت هذه السوابق قد أسهمت في إعادة توجيه مفهوم الملاءمة القضائية من الارتباط بالمحكمة الوطنية إلى الارتباط بقدرة الجهة الفاصلة في النزاع على تحقيق العدالة والكفاءة والحياد.

 

استنتجت الرسالة إن للضوابط الإقليمية ميزات تتعلق باحترام السيادة وتحقيق الاستقرار القانوني وسهولة التنفيذ لكنها بالمقابل تتصف بالجمود وقد تؤدي إلى إنكار العدالة أو التحايل على قواعد الاختصاص عن طريق إيجاد روابط إقليمية مصطنعة، كما يقوم التصور الفلسفي للملاءمة القضائية على تحقيق التوازن بين العدالة والسيادة لا على إلغاء السيادة الوطنية بل يكرّس تقويمها وتوجيهها لخدمة العدالة بدلاً من أن تكون غاية بحد ذاتها، ويعد مكان التقاضي عنصراً يمكن ان يستخدم بوصفه ضغط إجرائية فإلزام المدعي باللجوء إلى محكمة بعيدة جغرافياً أو مرتفعة التكاليف أو معقدة الإجراءات يفرّغ حقه في الانتصاف من محتواه ويصبح مجرد حق نظري غير قابل للممارسة الفعلية وتفرض نظرية الملاءمة القضائية هنا على المحكمة أن تبحث في مدى قدرة المدعي الفعلية على متابعة دعواه من حيث الوصول إلى محامين مؤهلين وتحمل تكاليف السفر والإقامة والترجمة وإمكانية اللجوء إلى الدعاوى الجماعية لتخفيف العبء المالي وهي أسئلة ذات بعد إنساني بقدر ما هي قانونية تهدف لحماية الطرف الضعيف من تحويل قواعد الاختصاص إلى سلاح بيد القوي للتخلص من المسؤولية وبهذا تشترط نظرية الملاءمة القضائية عدم التخلي عن نظر الدعوى إذا كان ذلك يؤدي إلى إنكار العدالة لتصبح بذلك حصناً يحمي الضعفاء من سوء استعمال الاختصاص القضائي، كما تتخطى نظرية الملاءمة القضائية في الزمن الرقمي وظيفتها التقليدية المتجسدة في تسهيل التقاضي لتشمل ضمان سلامة العدالة الرقمية والحفاظ على الخصوصية، وتخلص الدراسة إلى أن نظرية الملاءمة القضائية تجاوزّ صورتها التقليدية بوصفها مجرد وسيلة لتوزيع الاختصاص لتصبح أداة فلسفية لإعادة بناء العدالة الدولية على أسس واقعية وإنسانية تجمع بين المرونة القانونية والبعد الأخلاقي وبين احترام السيادة الوطنية والسعي إلى عدالة كونية، كما إن المدرسة اللاتينية لم تتنازل عن هويتها الجوهرية القائمة على سيادة النص التشريعي لكنها طورت بدافع الضرورة الوظيفية منظومة تتعامل مع السوابق التحكيمية توازن بين الحفاظ على المبادئ النظرية وتحقيق متطلبات الاتساق والاستقرار والكفاءة في مجال التحكيم الدولي، واخيراً يمثل تفوق التحكيم الدولي على القضاء الوطني تفوقاً منظومياً لا قطاعياً يقوم على ترابط معايير متعددة وتكاملها في بنية واحدة قوية .

 

اوصت الدراسة: إضافة مادة جديدة إلى قانون المرافعات المدنية رقم (83) لسنة 1969 (المعدل) لتتضمن نصاً يخول القاضي الوطني امكانية التنازل عن النظر في الدعوى إذا وجد أن محكمة أجنبية أكثر قدرة على تحقيق العدالة مع وضع معايير واضحة لذلك ، وتأهيل القضاة لاستيعاب نظرية الملاءمة القضائية وتطبيقها بحيث لا تتحول إلى أداة للتهرب من العدالة بل وسيلة لتحقيقها، والتحقق من توافر ضمانات أساسية في المحكمة المُحال إليها (استقلال القضاء، سرعة الإجراءات، حماية الشهود) قبل صدور قرار التنازل عن الدعوى، وتطوير آليات قضائية ملاءمة للتعامل مع الأدلة الرقمية بحيث يكون اختيار المحكمة الملاءمة ذو صلة بكفاءتها التقنية لا فقط بالروابط القانونية التقليدية ومن هذه الاليات ؛القدرة التقنية بوصفها أحد معايير الملاءمة، و وجود مؤسسات أو قضاة متخصصين بالأدلة الرقمية، وأن تتوافر لدى المحكمة آليات تقنية لضمان أن الدليل الرقمي المقدّم لم يتم التلاعب به من لحظة جمعه إلى لحظة عرضه في الجلسة، والقدرة على عقد جلسات وسماع شهود عن بُعد بصورة آمنة.

على مستوى التحكيم الدولي اوصت الدراسة بتيسير نشر السوابق التحكيمية (مع مراعاة السرية حين تتطلبها طبيعة النزاع) لأن هذا التراكم يزيد من استقرار قانون الاستثمار والتجارة الدولية، ودعم توجه هيئات التحكيم نحو تجميع الإجراءات المتعددة في جهة واحدة متخصصة لتجنب  تضارب الأحكام وتشتت الجهد بين قضاءات وطنية مختلفة، وتعزيز ثقافة الاستشهاد بالسوابق التحكيمية بين المحكمين والمحامين بعدها  أصبحت تمثل لغة مشتركة تعزز تسوية النزاعات بثقة واستقرار أكبر .

 

وتشكلت لجنة المناقشة من السادة :.

  1. أ.د. صادق زغير محيسن / رئيساً
  2. أ.م.د. سنان عبد الحمزة تايه / عضواً
  3. أ.م.د. حسين نعمة نغيمش / عضواً
  4. أ.د. نظام جبار طالب / عضواً ومشرفاً

 

وقد اجيزت الرسالة بتقدير جيد جداً عالٍ

 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *